ابن عربي
516
رحمة من الرحمن في تفسير واشارات القرآن
ولم يكن له من نفسه إذن من اللّه تعالى أن يأمر وينهى ، فهو رسول مبلّغ رسالات ربه . وبهذا بان لك الفرقان بين الخليفة والرسول . ولهذا جاء بالألف واللام في قوله تعالى ( مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ) ثم قال تعالى : « وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » وهم الخلفاء ومن استخلفه الإمام من النواب ، فإن اللّه جعل خليفة عنه في أرضه ، وجعل له الحكم في خلقه ، وشرع له ما يحكم به ، وأعطاه الأحدية ، فشرع أنه من نازعه في رتبته قتل المنازع ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : [ إذا بويع لخليفتين ، فاقتلوا الآخر منهما ] وجعل بيده التصرف في بيت المال ، وصرف له النظر عموما ، وجعل اللّه للخليفة أن يستخلف كما استخلفه اللّه ، فبأيديهم العطاء والمنع والعقوبة والعفو ، كل ذلك على الميزان المشروع ، فلهم التولية والعزل . وأمرنا الحق بالطاعة له سواء جار علينا أو عدل فينا . والأئمة الذين استنابهم اللّه ، واستخلفهم على قسمين : قسم يعدلون بصورة حق ولا يتعدون ما شرع لهم ، والقسم الآخر قائلون بما شرع لهم غير أنهم لم يرجعوا ما دعوا إليه في المصارف التي دعاهم الحق إليها ، وجاروا عن الحق في ذلك ، وعلموا أنهم جائرون قاسطون ، فيمهلهم اللّه لعلهم يرجعون . وقد يقيم الحق منازعا في مقابلته يدعو إلى الحق وإلى طريق مستقيم ، فإن ظهر مثل هذا فقد أوجب الحق على عباده القتال معه والقيام في حقه ونصرته والأخذ على يد الجائر ، ولا يزال الأمر على ذلك حتى يأتي أمر اللّه وتنفذ كلمة الحق . - الوجه الثاني - « وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » [ ليس لاولى الامر ان يشرعوا ] وهم العلماء منّا بما أمر اللّه به ونهى عنه ، وهم الذين قدمهم اللّه علينا وجعل زمامنا بأيديهم . ولم يكن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقدم في السرايا وغيرها إلا من هو أعلمهم ، وما كان أعلمهم إلّا من كان أكثرهم قرآنا ، فكان يقدمه على الجيش ويجعله أميرا ؛ فقال تعالى : « وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » أي إذا ولّي عليكم خليفة عن رسولي أو وليتموه من عندكم كما شرع لكم ، فاسمعوا له ، وأطيعوا ولو كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف ، فإنّ في طاعتكم إياه طاعة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . ولهذا لم يستأنف في « أُولِي الْأَمْرِ » أطيعوا ، واكتفى بقوله « أَطِيعُوا الرَّسُولَ » ولم يكتف بقوله « أَطِيعُوا اللَّهَ » عن قوله « أَطِيعُوا الرَّسُولَ » ففصل لكونه تعالى ليس كمثله شيء ، واستأنف بقوله « وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ » فهذا دليل على أنه قد شرع له صلّى اللّه عليه وسلم أن يأمر وينهى ، وليس لأولي الأمر أن يشرّعوا شريعة ، إنما لهم الأمر والنهي فيما هو مباح لهم ولنا ، فإذا أمرونا بمباح أو نهونا عن مباح ، أوجب اللّه علينا طاعتهم فيما أمروا به ، وما لهم أمر